كيفية التعامل مع الأسلحة النارية غير الرسمية باليمن
- بواسطة محرر سياسات
- 2025-02-13

تشكل الأسلحة النارية في يد المواطنين وضعاً معقداً للأمن والاستقرار في اليمن. تقترح هذه الورقة عدداً من الحلول لحل هذه المشكلة التي تنتشر بكثرة في المدن اليمنية مع الأخذ بالاعتبار لحقوق أطراف المشكلة المتمثلة : ب(حق المجتمع _ وحق الدولة _ وحق تجار السلاح). لا تغفل الورقة حساسية الوضع في اليمن، نتيجة الصراع والأزمات السياسية المتعاقبة والحروب، الأمر الذي أطلق العنان للأسلحة النارية المحمولة والمتوسطة بمختلف أنواعه للانتشار في حوزة الأفراد والجماعات من شتى الفصائل والمليشيات.
تضمنت السياسة المختارة (نقل متاجر الأسلحة النارية والذخائر إلى خارج المدن، بعد المشاورات الكثيفة مع تجار الأسلحة قبل تنفيذ السياسة، ليتم بعد ذلك منع دخول السلاح الناري أو حمله بصفة غير رسمية داخل المدن إجمالاً). موجز تنفيذ هذه السياسة عبر اقتراح خطة تتضمن جدولاً زمنياً لتحديد الخطوات الموصي بإتباعها لضمان نجاح السياسية، وقبل تقديم النقاط الرئيسية للخطة يجب الانتهاء من خطوتين أساسيتين من أجل تنفيذ فعّال للسياسة المقترحة هما:
١_ التصاريح والتراخيص.
٢ _ سلاح اللجان الشعبية وحراس ومرافقي الشخصيات والمنشآت والشركات الخاصة.
على أساس أن يتم بعد ذلك وضع الخطة للتنفيذ. تبدأ الخطة التنفيذية بتصميم مذكرة مفاهيمية حول خيار السياسة الأفضل، ثم التشاور مع الهيئات الحكومية وغير الحكومية والمنظمات ذات الصلة، والقطاع الخاص وبائعي الأسلحة، ليتم تطوير وثيقة السياسة النهائية، والبدء بخطة العمل على مراحل تنفيذية ذات إطار زمني وميزانية مفصلة.
وفي صدد المتابعة والتقييم للسياسة المختارة، نوصي بتشكيل نظام تشاركي، وهيئة مستقلة لمتابعة مراحل تنفيذ السياسة المختارة، وتختص الهيئة بدارسة الوضع الراهن لأسواق ومتاجر الأسلحة والأماكن البديلة، والمدن المستهدفة التي تشملها السياسة، وتقييم نتائج تنفيذ السياسة على المدى القصير، والمتوسط، ثم نتائج التأثير على المدى الطويل.
أولاً: السياق/ تحديد المشكلة:
تعتبر اليمن من أكثر دول العالم حيازةً للسلاح الناري بيد المواطنين، وتختلف التقديرات في عدد الأسلحة داخل اليمن. فقد كشفت بعض الدراسات عام 2007 أن عدد الأسلحة التي بحوزة المواطنين على مستوى اليمن قدرت بحوالي(6 - 9) ملايين قطعة سلاح على أقصى تقدير.
أما الأسلحة الصغيرة فقد أعلن عام 2017 أنه يوجد ما يقرب من 15 مليون سلاح ناري بحوزة المدنيين في اليمن، أو (54 قطعة لكل 100 نسمة)، ما جعلها في المرتبة الثانية تسليحاً بعد الولايات المتحدة الأمريكية. وبغض النظر عن دقة رقم عدد الأسلحة الموجودة باليمن، فإنه من المؤكد أن هناك عدداً كبيراً من الأسلحة داخل اليمن ما هدد بناء الدولة اليمنية منذ تأسيسها.
ولعل الأمن والاستقرار في مقدمة الدعائم التي تواجه بناء الدولة اليمنية حيث شكلت الصراعات المسلحة والحروب المتعاقبة وضعاً معقداً لهذا البلد تمثل هذا الوضع بظواهر كثيرة أهمها: حيازة وتملك السلاح الناري وحمله بصفة غير رسمية في السلم أو في الحرب حتى ارتبطت هذه الظاهرة بتقاليد وعادات الشعب اليمني في القرى والمدن والجبال والصحاري وهو الأمر الذي وقف في وجه الدولة وحال بينها وبين خصائصها التي تدعمها فكرة المدينة، وبنائها المرتكز على النظام والقانون.
والمدن اليمنية هي الملاذ الآمن للسكان بما فيهم أفراد الحكومات وسلطات القرار والمنظمات والمؤسسات والشركات. حيث تتركز الخدمات بالمدن بنسبة عالية، وتوجد فيها أكبر نسبة تجمعات سكانية مقابل المساحات الأخرى. تضم المدن الرئيسية ما نسبته ٣٤٪ من إجمالي سكان اليمن القاطنين بشكل دائم، مضاف إليها ٢٠٪ تقريبا من السكان المقيمين فيها بصفة مؤقتة، والمرتادين عليها بشكل دوري طلباً لخدمات أساسية أو ثانوية، وغيرها، الأمر الذي يتطلب جهوداً كبيرة في سبيل الحفاظ على الأمن والاستقرار والسكينة العامة.
نتناول في ورقة السياسات هذه مشكلة حمل الأسلحة النارية والذخائر بصفة غير رسمية والاتجار بها داخل المدن اليمنية، كون هذه المشكلة تشكل عبئاً كبيراً جداً على الحكومة لا سيما وهي في مقدمة الأسباب لكثير من القضايا والمشكلات السياسية والأمنية والاقتصادية والاجتماعية. وقد تصاعدت هذه المشكلات مع الأزمة السياسية عام 2011 والحرب منذ عام 2015، التي تضاعفت بسببهما الأسلحة النارية والذخائر في يد المواطنين في اليمن بشكل عام وفي المدن اليمنية على وجه الخصوص، ويتم النظر في هذه الورقة إلى المشكلة بصفتها غير الرسمية، وطابعها غير المدني مع مراعاة الحقوق الأساسية للشرائح المجتمعية التي تمثل هذه المشكلة.
وتتمثل العناصر المسببة لمشكلة الحمل غير الرسمي للأسلحة والذخائر والاتجار بها باليمن بالآتي:
١_ متاجر الأسلحة المنتشرة في اليمن، والتي توسعت بشكل ملحوظ في المدن مع تصاعد الأزمة السياسية والحرب.
٢_ العادات والتقاليد والموروث الشعبي الذي تتطلب حيازة السلاح وارتدائه للزينة أو في المناسبات المجتمعية، وتداوله كضمانات في التحكيم والمصالحات القبلية.
٣_ تدهور الأوضاع الأمنية والاقتصادية، وسيطرة القبيلة على مراكز صنع القرار في الدولة. الأمر الذي توافق القانون مع الأعراف القبلية بشأن حمل وحيازة السلاح.
٤_ الظواهر الاجتماعية السلبية والقبلية المتمثلة بظاهرة الثائر والنزاعات والحروب القبلية.
ثانياً: جمع الأدلة
الأدلة التي بين يدينا توضح الانتشار الواسع للأسلحة داخل اليمن والإطار القانوني للأسلحة.
- تعتبر ملكية الأسلحة النارية في اليمن حقاً، وليس امتيازا، وبالتالي فحيازة الأسلحة النارية مسموح دون تصريح أو ترخيص.
- تاريخياً يرتدي اليمنيون السلاح الأبيض (الجنابية)، والسلاح الناري منذ دخوله البلاد وكانت تنظم استخدامه العادات والأعراف القبلية.
- قانوناً أعطى القانون اليمني الحق للمواطن اليمني بحيازة الأسلحة النارية الشخصية، وحصرها بالبنادق والبنادق الآلية والمسدسات وبنادق الصيد وكمية من الذخائر لأغراض الدفاع المشروع، وقد نظمها في القانون رقم ٤٠ لسنة ١٩٩٢ بشأن تنظيم حمل الأسلحة النارية والذخائر والإتجار بها، لكن لم يحدد السلطة التي ستكفل الحد من انتشار الأسلحة.
- كذلك اللائحة التنفيذية لحمل السلاح الناري والذخائر بالقرار الجمهوري رقم ( ١ )، لسنة ١٩٩٤ لتنفيذ القانون رقم (٤٠) لسنة ١٩٩٢. بشأن حمل السلاح في العاصمة صنعاء وعواصم المحافظات والمدن، ومنح التراخيص.
- وبحسب إحصائيات وتقارير محلية وعالمية، تعد ظاهرة حمل الأسلحة النارية أهم سبب لارتفاع نسبة الجريمة في اليمن، بما فيها تقرير وزارة الداخلية الذي قُدّم في مجلس النواب اليمنى في شهر يونيو 2007، وأكد التقرير وجود تناسب طردي بين انتشار الأسلحة النارية وارتكاب الجريمة، فحسب تقرير وزارة الداخلية بلغت الجرائم التي أستخدم فيها السلاح الناري خلال الأعوام الثلاثة الماضية (42623) جريمة قتل وإصابة، وأشار التقرير الى أن عدد الوفيات والإصابات الناجمة عن سوء استخدام السلاح الناري في الأعوام ذاتها بلغت (33577) حالة وفاة وإصابات اخرى، أي ما نسبته (84٪) من الحوادث والجرائم الأخرى.
- قرار الحكومة سنة ٢٠٠٧ بحظر حمل السلاح الناري في المدن الكبرى والحد من الأسلحة التي يحملها أفراد الأمن في غضون ثلاث سنوات، وتمت مصادرة ٧٢٠ ألف قطعة سلاح غير مرخصة، وإغلاق المئات من متاجر الأسلحة، لكن تحطمت هذه الديناميكية مع بداية عام 2011.
- وبعد اندلاع الحرب في عام 2015 اجتاحت فصائل مختلفة أجراء مختلفة من البلاد نظراً لعدم وجود حكومة مركزية لإنفاذ قوانين الأسلحة، ويتم بيع جميع أنواع الأسلحة بما في ذلك البنادق والأسلحة الآلية بالكامل، والصواريخ الموجهة المضادة للدبابات والمركبات المدرعة لمختلف الأفراد الراغبين في شرائها.
- ووفقاً لمسح الأسلحة الصغيرة عام2017 يوجد ما يقرب من 15 مليون سلاح ناري بحوزة المدنيين في اليمن، أو ( 54 قطعة لكل 100 نسمة).
- وفي أكتوبر 2018 أصدرت منظمة مراسلون من أجل الصحافة الاستقصائية العربية، دراسة توضح أن العديد من الأسلحة في اليمن تم تصنيعها من قبل صانعي الأسلحة الأوربيين.
يتضح من كل ما سبق حاجة اليمن الى مراجعة في سياق الأمن والأسلحة التي تعد اخطر التحديات ليس في مواجهة التنمية فحسب، بل في مواجهة بناء الدولة.
ثالثاً: السياسات/ البدائل:
في الواقع تبدو القدرات المؤسساتية لصنع السياسات العامة وتطبيقها وتنسيقها ومتابعتها في اليمن محدودة، كما أن القوانين واللوائح والقرارات في السياسة العامة لم تحقق الهدف المرجو في ظل الوضع المعقد للأمن والأسلحة في اليمن، الناتج عن الصراع والحرب والأزمات السياسية، وتدخلات البيروقراطية للسياسة الخارجية. لذلك لم تسع الحكومات والمؤسسات ذات الصلة في اليمن في وضع حد لهذه المشكلة التي تتضاعف آثارها ونتائجها كل يوم مع عدم وجود تصور لمقترحات وسياسات تسهم في مناقشتها وتحليلها ووضع بدائل ممكنة تهدف الى وضع حد لها.
من هنا تهدف الورقة إلى عرض بدائل سياسات تسهم في معالجة هذا الوضع، وتحدد إمكانية الوصول إلى سياسات عامة تدعم الحفاظ على الأمن والاستقرار في اليمن، من خلال التركيز على إخلاء المدن من الأسلحة النارية في يد المواطنين بصفة غير رسمية، التي باتت الخطر المحدق في وجه الدولة ومؤسساتها، وتتمثل هذه البدائل في الخيارات التالية:
(١) خيار السياسة الأول : "التنظيم" لحمل الأسلحة النارية والذخائر والاتجار بها داخل المدن.
(٢) خيار السياسة الثاني: "الحظر" لدخول الأسلحة والذخائر إلى المدن.
(٣) خيار السياسة الثالث: "نقل متاجر الأسلحة خارج المدن" بعد المشاورات الكثيفة مع تجار الأسلحة قبل تنفيذ السياسة، ليتم بعد ذلك منع دخول السلاح الناري أو حمله بصفة غير رسمية داخل المدن إجمالاً. إذ تتيح هذه البدائل في مجملها سلطة أوسع للحكومة في التدخل للحد من خطر الأسلحة، وإن كانت تختلف في تقديراتها لمشكلة حمل الأسلحة النارية في يد المدنيين وسوء استخدامها، كان ذلك في المدن أو الأرياف.
ويمكن أن نورد تحليلاً للخيارات المقترحة عبر الجدول التالي:
الجدول
رابعا: المعيار / القيمة
- تنظيم الحقوق هو المدخل الأساسي للمفاضلة بين السياسات المختلفة. هناك حقوق للمجتمع، وحقوق للدولة وحقوق أصحاب السلاح. لذلك فإن السياسات الأفضل هي السياسة التي تنظم هذه الحقوق الثلاثة.
والتنظيم المرن والطوعي هو الضامن لتنفيذ هذه السياسة بشكل جيد.
- بالنسبة للمجتمع: حق الحياة والسلامة، والآثار الناجمة عن حمل الأسلحة النارية والذخائر بصفة غير رسمية وسوء استخدامها.
- بالنسبة للدولة: حق الأمن والاستقرار، ويتأثر بتواجد الأسلحة النارية والذخائر بصفة غير رسمية.
- بالنسبة لأصحاب السلاح: الحق في الحيازة والعمل، مع أهمية وجود تشريع قانوني يحمي حقوقهم بشكل لا يؤثر على حقوق الآخرين.
وفي هذا الصدد نأخذ في الاعتبار عند أي من خيارات السياسة المذكورة في هذه الورقة، إلى أي إجبار في تنفيذ أي من السياسات العامة سوف يؤدي إلى عدم نجاح تنفيذ السياسة المختارة، لذلك نوصي بدمج أي من السياسات العامة في إطار تنظيمي مرن يكفل حق المجتمع في الحياة والسلامة، وحق الدول في الأمن والاستقرار، وحق أصحاب وبائعي الأسلحة في المتاجرة والعمل.
خامساً: النتائج المتوقعة
من الواضح أن السياسات تضمنت عدداً من البدائل المقترحة نستطيع من خلالها تصور النتائج المتوقعة حسب الآتي:
١_ الحد من السلاح داخل المدن وبالتالي تقل ظاهرة حمل السلاح بصفة غير رسمية.
٢_ إعادة الطابع المدني للمدن من خلال الحفاظ على الذوق العام في الأماكن العامة، ودعم اللجوء إلى القضاء في المنازعات بدلاً من التحكيم القبلي لا سيما والعادات والتقاليد التي تدعم حمل السلاح الناري قد جاءت من القبيلة عبر الوافدين على المدن بشكل متكرر، وإعادة الطابع المدني يمكن أن تختفي معظم المظاهر الاجتماعية القبلية كظاهرة الثأر وغيرها.
٣_ زيادة فرص الأمن وتمكين الجهات الأمنية من القيام بمسؤولياتها بشكل أفضل.
٤_ إنعاش الاقتصاد الوطني الذي ظل مهدداً بضعف الأمن وعدم الاستقرار.
٥_ التأثير على تجار السلاح أصحاب المصالح، من خلال المشاورات والتنسيق معهم، حسب ما تضمنته السياسات.
سادساً: المفاضلة/ والترجيح
من خلال تحليل السياسات المختلفة، ومعرفة الجوانب السلبية والإيجابية للسياسة المقترحة، والقدرات السياساتية التي يمكن لحكومة الجمهورية اليمنية أن تجريها، والنتائج المتوقعة الأكثر إيجابية في السياسات المقترحة، نميل إلى ترجيح السياسة رقم (٣) المتضمنة : (نقل أسواق ومتاجر الأسلحة النارية والذخائر خارج المدن، بعد المشاورات الكثيفة مع تجار الأسلحة قبل تنفيذ السياسة ليتم بعد ذلك منع دخول السلاح الناري أو حمله بصفة غير رسمية داخل المدن إجمالاً)، ولذلك للأسباب التالية:
١_ السياسة المختارة تراعي حقوق أطراف المشكلة.
٢_ تتضمن السياسة المختارة بدائل مرنة وسهلة تتناسب مع حساسية الوضع وأعراف المجتمع.
٣_ يشترك في تطبيق السياسة المختارة بعض أطراف المشكلة وأصحاب المصالح والمنظمات ما يجعلها قابلة للتنفيذ.
٥_ راعت السياسة المختارة المخاطر المحتملة عند التنفيذ فعمدت إلى تنفيذها على مراحل وفق خطة مشتركة وإطار زمني محدد.
الخاتمة والتوصيات
نأمــل أن تشــكل هــذه الوثيقــة أداة للحد من حمل وانتشار الأسلحة النارية في المدن، وتعزيز فرص الأمن والاستقرار والتنمية المستدامة، ونوصي باعتماد نهج متكامل إزاء منع تدفق الأسلحة والاتجار بها عبر الحدود، واعتماد تدابير وإجراءات معيارية في إطار نظم قانونية لاستبانة وضبط ومصادرة الأسلحة النارية وأجزائها، حتى لا تستخدم على نطاق واسع في عمليات السطو المسلح والسرقة والعمليات الإرهابية.
0 تعليقات